في حوار مع الطبيب والجراح المغربي المعطي موفكاد
واجتزت اختبارا للدراسة في ثلاث دول ،وهي الولايات المتحدة و ألمانيا و روسيا ، لكن المقعد الخاص بالدراسة في أمريكا وألمانيا تم تسليمه إلى البرجوازية المغربية
محاورة الطبيب والجراح المعطي موفكاد تنبعث منها رائحة مغربية أصيلة ،مشبعة بالغيرة و الحب و المصارحة
. التقيته في العاصمة الروسية موسكو ، ففتح لنا قلبه متحدثا مع الصباح عن قضايا عدة.
يعد الطبيب والجراح المعطي موفكاد ،من بين الأطر المغربية التي قررت الهجرة مبكرا إلى روسيا من أجل دراسة الطب
. قرر د. المعطي الاستقرار في هذا البلد ودراسة تخصص سرطان المسالك البولية. ولد في واد زم عام 1952 و نشأ في البيضاء. رئيس جمعية المثقفين المغاربة وعضو في أكثر من منظمة دولية في مجال المسالك البولية و الجراحة بالليزر، حكايته مع مكان ولادته و تصوره للهجرة و المهاجرين المغاربة في روسيا والوضع في المغرب، كانت أهم النقاط التي تناولها حوارنا معه:
*
أولا، حدثنا عن بدايتك في المغرب قبل أن تهاجر إلى روسيا ؟
ولدت في واد زم ، لكن لحظة الولادة تختزل حكاية . والدي رحمه الله، كان من شهداء الحركة الوطنية ،فر آنذاك رفقة أمي من البيضاء إلى واد زم ، هربا من المعمرين الفرنسيين الذين كانوا يطاردونه ،وكانت أمي حامل، فكانت ولادتي في تلك المدينة في 11 ابريل عام 1952.
أتيت إلى روسيا عن طريق وزارة الشغل عام
1975. كنت حاصلا على دبلوم مهني في الميكانيكا واجتزت اختبارا للدراسة في ثلاث دول ،وهي الولايات المتحدة و ألمانيا و روسيا ، لكن المقعد الخاص بالدراسة في أمريكا وألمانيا تم تسليمه إلى البرجوازية المغربية ، في وقت حصلت فيه على مقعد دراسي في روسيا . لم أكن أتوفر على شهادة البكالوريا ، لكن في الإتحاد السوفييتي حصلت على هذه الشهادة. أردت أن ادرس الطب، لكن لم أستطع لأنني جئت كطالب يدرس في شعبة الميكانيكا وكان علي أن أحصل على رخصة من السفارة المغربية التي رفضت الأمر. توجهت إلى أوكرانيا وبعد عام حصلت على دبلوم في التمريض و تزوجت هناك قبل أن أعود إلى موسكو . تسجلت في شعبة الطب في السنة الثالثة و اجتزت اختبارا سمح لي بالدراسة في معهد الطب الروسي عام 1980 و الذي أدرِّس فيه لحد الساعة .
*
هناك ثلاث منظمات مغربية تمثل المهاجرين ؟ كيف تنظر إلى واقع التشتت الذي يعيشه المغاربة ؟
أولا، ليس هناك أية علاقة بين هذه الجمعيات الثلاث ، و كل إطار يدافع عن مصالحه الخاصة . فهناك من يريد أن يتقرب من السلطة و هناك من يريد تحقيق أغراض شخصية…. جمعية الجالية المغربية تتجه في نفس المنحى في حين نجد جمعية دار المغرب موالية للسفارة و الأعمال. جمعية المثقفين المغاربة تضم 13 عضوا و كلهم أطباء. الجمعية فقد كانت تضم 210 منخرطا و أصبحت تضم 118 منخرطا وكلهم من روسيا. كانت لدينا الرغبة في إصدار جريدة قبل أن نتراجع، السبب واحد و هو أنه لا أحد سيقرأ ذلك. هناك شبكة الانترنيت وأشياء أخرى. في نظري، الجمعيات الثلاث لا تقدم مردودا معينا.
*
ما هي أسباب هذه الظاهرة ؟
السبب الأول هو فقدان البعض الثقة في نفسه. مغاربة أتوا إلى هنا للدراسة و فشلوا فاتجهوا للأعمال والمشاريع. بالمقابل، درس أعضاء جمعية المثقفين المغاربة في روسيا ويعملون في تخصصاتهم الدراسية .
*
لكن ما هي مشاكل المغاربة المهاجرين في روسيا ؟
النميمة و نقل الأخبار إلى السفارة . جمعية دار المغرب تقدم هدايا للسفارة مثلا …البعض يتصور أنه سيحصل على "كريمات" و غيرها. جمعية الجالية المغربية قامت بإصدار جريدة و توقفت بعد ذلك. "اتفق العرب ألا يتفقوا "لا يمكن أن يتفق المغاربة و لأسباب كثيرة ، منها انعدام الوعي و ووجود صراعات من أجل الوصول إلى أهداف شخصية . فهناك غياب لتكثل يجمع الجمعيات المغربية كما يفعل السوريون مثلا والذين أسسوا ثلاث مواقع إلكترونية للأطباء فقط .
أتصور أن الحلول لا يمكن أن تتحقق في غياب دور فاعل للسفارة المغربية التي يجب تصبح قاعدة لهذه الجمعيات عن طريق الاتصال بجمعيات المغاربة المهاجرين و التعرف على مشاريعهم
…لقد قلت ذلك في الإذاعة و التلفزيون المغربيين، وعرضت خدماتي بالمجان، و من الممكن أن أقوم بعروض و عمليات جراحية بالمجان في المغرب. أعرف جراحين مغاربة، عندما يتعرفون على عمليات جراحية جديدة يغلقون عيادتهم حتى لا يقدمون المعرفة الجديدة إلى زملائهم. هذا مخجل !
*
من بين مشاكل الجالية المغربية، نجد الهجرة السرية . هل تتفق معي ؟
نعم ،هناك ظاهرة الهجرة السرية في روسيا التي بزغت عام
1992 ،و كانت هناك أعداد من المغاربة يأتون بهم كطلبة من أجل الدراسة في سان بطرسبورغ مقابل 1000 دولار مثلا، و بعد مرور أشهر يتخلى هؤلاء الطلبة عن العمل و يدخلون عالم تهريب المخذرات والسرقة … انتقلت هذه الظاهرة إلى موسكو . فهناك في السوق المعروف "بالرينك" مغاربة يأتون بهم عن طريق جمعية دار المغاربة كضيوف و يتحولون إلى عمال . فهناك العديد منهم في الأسواق كسوق "تشركيش " لان الشرطة هناك تغض الطرف عنهم ،و العديد من العمال المغاربة يتوفرون على رخص إقامة مزورة ، لكن أرباب العمل يعرفون رجال الشرطة ….هناك أوراق إقامة لستة اشهر أو لمدة عام أو ثلاثة أشهر يتم بيعها مقابل 80 دولارا . أما رجال الشرطة فما عليك إلا أن تقدم لهم 8 دولارات و كأن شيئا لم يقع. الشرطة لا تفتش هؤلاء المغاربة، لان من يشغِّلهم يقدم مبالغ مالية معينة كل شهر لرجال الأمن.
*
وماذا عن المغاربة الموجودين خلف القضبان ؟
هناك العديد من المغاربة ارتكبوا جرائم السرقة و القتل ضد الطلبة في سان بطرسبورغ و موسكو وغيرها . هناك عددا منهم في السجون الروسية كحالة مغربي قتل طالبا روسيا و اعتقل ثلاث سنوات و ساعدته قبل أن تأتي عائلته ويفرج عنه!
*
تقول بعض المصادر أن هناك مشاكل للمغاربة مع السفارة ؟
السفارة موجودة لخدمة المهاجرين في الأمور الإدارية. البعض يتلاعب في السفارة المغربية ، فمثلا يتم تهميش مغاربة يقطنون في مدن بعيدة و يأتون لتسوية وضعيتهم الإدارية في السفارة . السفير الحالي و من كان قبله لا يخدمون المغرب . لحد الساعة لم يتم الاتصال بنا من أجل معرفة مشاكل المغاربة. فعلى الأقل، مرة في الشهر يجب التواصل مع الجمعيات الثلاث . بعض موظفي السفارة يتصلون فقط من أجل طلب شيء معين. أنا دائما مستعد للعمل من أجل خدمة الصالح العام و ليس الصالح الخاص. السفير السابق لم يعمل شيئا بالرغم من أنه تخرج من روسيا . لا أفهم لماذا يطلب السفير منا البحث عن روس يستثمرون في المغرب . هناك تلاعبات وليست هناك أية مراقبة من المغرب، قل لي ،هل سبق لك أن كاتبت وزير مغربي و رد عليك!!!
أضيف إلى هذه المشاكل، قضية الأوسمة الملكية التي سلما الملك للمغاربة المهاجرين على إثر زيارته الأخيرة إلى روسيا
. فجمعية دار المغرب كانت على علاقة بالسفير السابق ،وبالتالي كان هناك ترشيح للعديد من الأسماء وتهميش آخرين ممن حرموا من هذه الأوسمة، كالإدريسي رحلي رحال الذي كان مقاوما معروفا، لكن السفير رشح طبيبة الأسنان آمال شكير التي هاجرت إلى كندا حاليا ، لأنها قامت بخدمات طبية للسفير و ابنته . الأطر المغربية عديدة و معروفة و تستحق هذه الأوسمة الملكية. السفير السابق خلق الكثير من المتاعب وكان يتصل فقط بأصحاب السوق ونعني بهم جمعية دار المغرب.
*
ما هي الحلول في نظرك ؟
على الدولة المغربية أن تتحمل مسؤوليتا وتكون حازمة في اختيار السفراء . هنا المغاربة ليسوا كمغاربة أوروبا، يدخلون العملة الصعبة للبلاد ، لكن هناك عدد أطر طبية وعلمية متعددة .
*
كيف ترى الهجرة في روسيا ؟
الهجرة في روسيا أصبحت سيئة . فمنذ سقوط الإتحاد السوفييتي ولحد الساعة، كل الدبلومات والشواهد التي حصل عليها الطلبة لا أعترف بها ، لأنها مزورة وتباع بكل بساطة ، أو أن الطالب يقدم مبالغ مالية من أجل النجاح والمرور من مستوى إلى آخر سواء كان الطالب روسيا أو مغربيا . أيام الإتحاد السوفييتي، كان هناك انضباط ، مثلا الطالب الذي يرسب في سنة دراسية معينة ،لا يحق له أن يسافر في عطلته الصيفية إلى وطنه ، بل يجب عليه أن يقضي عطلته في الدراسة و يجتاز الاختبارات حتى يحصل على النقاط المطلوبة . عندما حصلت روسيا على الاستقلال ولم يعد للدولة دور في ميزانية قطاع التعليم ، أصبح التمويل ذاتيا كما يقع في المغرب حاليا!
*
الكثير يتحدث عن التمييز و العنصرية في روسيا ؟ ما رأيك في هذه القضية ؟
التمييز العنصري كان حتى في زمن الإتحاد السوفييتي ، لكن لم يكن ظاهرا . كانت حالات العنصرية هي اقل من الآن. شخصيا لم أتعرض لحالات من هذا النوع….
في زمن الإتحاد السوفييتي كانوا الناس طيبين
. الآن هناك نوع من العنصرية التي أرى أنها بسبب المهاجرين أيضا، فالأجانب هم الذين أدخلوا الرشوة إلى المجتمع الروسي. فمنذ عام 1970 بدأ هؤلاء الأجانب يقدمون هدايا غربية الصنع "كالجينز" و النظارات وغيرها. أضيف أن العنصرية تمارس كذلك ضد القوميات الأخرى أو ما يسمى بفيزيولوجية القوقاز أو الآسيويين و حتى اليهود ، بالرغم من تواجدهم في كبرى المؤسسات الروسية.
*
كيف تنظر إلى تجربة الهجرة في روسيا ؟
كان هناك دعم للطلبة من الدولة أيام الإتحاد السوفييتي حيث سلمونا الآليات و الملابس و الكتب وكل شيء كان متوفرا كالتغطية الصحية و غيرها …
*
وماذا بخصوص اللغة الروسية ؟
اللغة الروسية غنية من الناحية العلمية و الأدبية . خذ كتاب لتلستوي أو بوشكين و حاول قراءته باللغتين الفرنسية و الروسية ، و سترى الفرق بين النسختين !
*
أنت كمهاجر منذ أكثر من 30 سنة، كيف ترى المغرب حاليا ؟
في ما يخص التغيير الشمولي، ليس هناك أي شيء يذكر
. لدي نظرة واحدة تقول: إنه تم تفقير الفقراء و إغناء الأغنياء في مغرب اليوم، فالبلد التي يتواجد فيه أعداد من المثقفين العاطلين عن العمل لا يعد بلدا. البلد الذي يريد أن يطبق الديموقراطية والتغيير يجب أن يؤمن بثلاثة مبادىء : التربية والصحة و العمل . في المغرب أرى مع الأسف خلال زياراتي المتكررة كل عام، الرشوة و الأوساخ و النفاق ….
*
هل تشاهد القنوات المغربية ؟
نعم، عندما أريد أن أضحك….أشاهد فقط بعض البرامج العلمية في قناة ميدي 1 سات …. أبكي داخليا … هناك تراجع في المغرب بشكل فضيع …لم نكن نعيش في هذا الوضع حتى عام 1980 . المشاريع التي تقام الآن ليس لها أي معنى …تأسيس معامل تشغِّل المغاربة أفضل من بناء المساجد.